الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

عنيـــــــدة


” ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات،نكتبها خارج المناسبات المعلنة،لنعلن نشراتنا النفسية،لمّن يهمهم أمرنا“
أحلام مستغانمي .. ذاكرة الجسد


عندما كنت طالبة في الثانوية،كنت صعبة الإرضاء،قليلة الثقة بمن حولي بلا إستثناء،إلى أن إجتمع عقلي وقلبي فإصطفيا معلمة كنت أتشرب نصائحها بكل ما تحمل،فنصائحها نهر عريض منساب كالأفعوان،والعامل المشترك بين هذه النصائح بل وسر إستجابتي لها،يكمن في كيفيتها،بذاك الثغر المبتسم،والعينان المملوءة بتمازج الفخر والخوف وذاك الصوت الفيروزي المتلاعب على نغمتين إحداهما جبلية قوية،والأخرى هادئة دافئة،كل هذا يتلاءم تماماً وطبيعتي المتناقضة الضدية.


وآخر وأهم ما إلتقطه من نهرها كان نصيحتين بمناسبة دخولي لكليتي التي أهوى_الإعلام_والمتمثلة بأهمية المطالعة وقراءة الصحف والأخبار مع عدم الخضوع لأية آراء دون الإقتناع بها عن طريق البحث والتمحيص،ولأني كنت كما تريد،قررت أن أصدر فرماناً ذا حركة جريئة حاسمة يُلزمني بقراءة الجريدة اليومية أولاً.والجدير بالذكر في هذا الشأن أن السنتين الأخيرتين إكتظّتا بأحداث هامة أحدثت زلزال في الرأي العام بقوة تفوق وحدة الريختروتجتازه،والغريب أن الصحف العربية ذات مواقف متباينة بالرغم من أننا تشبعنا في كتب التاريخ والتربية الوطنية من الوحدة العربية و أن الشعب العربي له مصالح مشتركة ومصير مشترك و ...... مشترك.


والجدير كما المؤسف في آن واحد أن الصحف المذكورة تزرع مواقفها بين السطور أو ما يدعى بالسياسة التحريرية وتحصد تعددية شرائحية بذرائع مختلفة حيناً و غير مشروعة أحياناً،وبين دهاليز الصحف وجدت عيني قد وصلت للنشوى،لنهم القراءة في تلك الفترة دون الإكتراث لعقارب الساعة وما حولي من حياة،وكأن مصدر الدقات تحول من قلبي إلى عيني..ولكن سرعان ما تحولت هذه الحالة إلى ذكريات،ذكريات من مرحلة زهدتها اليوم بالرغم من محدوديتها_الفترة_،لذلك قررت أن أطبق النصيحة المهداة إلّي كاملة بكل طياتها،وهي أن أقتنع،أقتنع بكل ما يجب الإقتناع به،ولكن...أقتنع بماذا؟؟ الأحداث تتغير،تتطور،تتصاعد،والأخبار واحدة والآراء جامدة في كل شيء،فالصحيفة هي ذاتها طوال السنة،بذات العاوين البروتوكولية ذات المعنى الفارغ،بذات الصور،ذات المواقف،ذات التغطيات وذات التضليلات،فعلى أي مفترق ألتقي بذاك الشوق الجامع بين عيني والجريدة؟؟وكيف أسترجع هبوب النشوى في عيني المتعطشة للحرية..فإن كان القلم هو الأكثر بوحاً..فلماذا نسكته؟؟!!


الصحف تشبه العاشق في رؤية الشمس أحيانا!! كلاهما يرى الشمس ضوء ودفء،متناسين أو ناسين أن أصلها كتلة نارية،إن هذا التفاعل تضّوع في أعماقي وحادثتني نفسي لنفسي عن الفطام،فمتى تُفْطَّم عقولنا من رضاعة الهيمنة بثدي الصحافة ودعاياتها..إني نظرت فرأيت أن جرائدنا لها أجنحة ثابتة وأنا أبحث عن الإنطلاق..إني دققت فلاحظت أنهم يطوون أجنحتهم وأنا بإنتظار وشغف لنشرها،وعندما نظرت ودققت مرة أخرى رأيت ولاحظت إني لست بحاجة لشيء سوى معجزة تهبط من السماء خارج النظام الطبيعي للكون،إما لتغير قناعتي أو لتغير صحفنا.


وفي صدفة من أجمل الصدف التي قد تحملها الأقدار،رأيت معلمتي قبل بضعة أسابيع،في حديث دام ساعة وأكثروقلت لها ما سردت،وإذا بها ذات ملامح غير مفسرة،وجه متعجب،مستفهم،وجنتين حمراوتين من صدمة وغضب،ولأني جُلت بها عرض البحر بعباراتي،قررت أن أعود بها للشاطىء فأضفت،أعلم أن الصحراء عندما تتحدى السماء تفشل،ومقاومتها لها هي نهايتها،إن كل ما ذكرت صدقاً ما أحب ويمكن أن يكون كما ينبغي إلا أنه ليس ما هو كائن.ووضعت نقطة شفهية،أنهيت بها حديثي..أنتظرت حوالي الدقيقتين لتستعيد قليلاً مما فقدته في رحلة عرض البحر،وأنا في إنتظار ردها،أنتظر ذاك الرد الذي أهوى..أنتظر رداً قاسٍ برفق..وهادىء بغضب..أنتظر صفعةٍ بقبلة..شوكٍ بورد،فإذا هي تجمع كل ما ورد ذكره بكلمة، نعم بكلمة،واحدة، وضعتني بعرض ذاك البحر،وبين تلك الإستفهامات والتعجبات وكثير من الإستفسارات حول مقصدها،قالت: عنيدة.


بقلم ..
يســــــــرى عـــادل